• بواسطة الإدارة
  • 49 مشاهدة
  • الطب النفسي
  • 18 Jan, 2026

الجينات مقابل الإبيجينتكس: هل الـ ADHD قدر محتوم؟

لطالما ساد الاعتقاد في الأوساط الطبية والاجتماعية بأن الجينات هي "القدر" الذي لا يمكن الفكاك منه، خاصة عندما يتعلق الأمر باضطرابات الجهاز العصبي مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). فإذا كان الطفل يمتلك جينات مرتبطة بهذا الاضطراب، يُنظر إليه غالباً كحالة طبية ثابتة تحتاج إلى إدارة بالأدوية مدى الحياة. ولكن، من منظور الطب الوقائي ونمط الحياة، ومن خلال العلم الحديث الذي تعمقت فيه خلال رحلتي في أستراليا، نجد أن الحكاية لا تنتهي عند تسلسل الحمض النووي (DNA). هنا يبرز علم "الإبيجينتكس" (Epigenetics) أو علم الجينات الفوقي، ليغير قواعد اللعبة تماماً ويمنحنا الأمل في أن كيمياء الدماغ ليست قدراً محتوماً، بل هي حالة مرنة تتأثر بكل تفاصيل حياتنا اليومية.

الجينات: المخطط الهندسي وليس البناء النهائي

لكي نفهم هذه العلاقة المعقدة، يجب أن نتخيل الجينات كـ "المخطط الهندسي" للبناء. هذا المخطط يحدد الخطوط العريضة والإمكانات المتاحة، ولكن "البناء الفعلي" يتوقف على جودة المواد المستخدمة، ومهارة العمال، والظروف البيئية المحيطة. في حالة الـ ADHD، هناك بلا شك استعداد وراثي قوي؛ حيث تشير الأبحاث إلى وجود مئات الاختلافات الجينية الدقيقة التي قد تزيد من احتمالية ظهور الاضطراب.

ومع ذلك، فإن امتلاك الجين لا يعني بالضرورة "تفعيله". فالدماغ البشري يمتلك قدرة مذهلة على التكيف، والجينات لا تعمل في فراغ. هنا تكمن فجوة التفكير في الطب التقليدي الذي يركز على المخطط (الجينات)، بينما نركز نحن في طب النفس الغذائي على العوامل التي تتحكم في هذا المخطط وتحدد أي الجينات سيتم التعبير عنها وأيها سيظل صامتاً. الأصل في الإنسان الصحة، والجينات هي مجرد البداية وليست النهاية.

الإبيجينتكس: المفاتيح التي تدير كيمياء دماغك

علم الإبيجينتكس هو العلم الذي يدرس كيف يمكن للبيئة ونمط الحياة أن يغيرا "طريقة عمل" جيناتك دون تغيير تسلسل الـ DNA نفسه. تخيل أن جيناتك هي لوحة مفاتيح بيانو، والإبيجينتكس هو "العازف" الذي يقرر أي النوتات ستُعزف وبأي قوة. بالنسبة لمصابي الـ ADHD، فإن عوامل مثل التغذية، مستويات التوتر، التعرض للسموم البيئية، وحتى جودة النوم، تعمل كـ "مفاتيح" كيميائية تقوم بتشغيل أو إيقاف الجينات المرتبطة بتصنيع الدوبامين واستقباله.

خلال مسيرتي العلمية، رصدت كيف يمكن لتدخلات بسيطة في نمط الحياة أن تغير التعبير الجيني داخل الخلايا العصبية. فمثلاً، توفير المغذيات الدقيقة بصورتها النشطة (مثل الميثيل فولات) يساعد في "تزييت" دورة الميثيليشن، مما يسمح للجينات المسؤولة عن توازن الانتباه بالعمل بكفاءة أكبر. نحن لا نغير جيناتك، بل نوفر لها "البيئة الحيوية" التي تسمح لها بالعمل في أفضل حالاتها. الوعي بهذه القدرة هو أولى خطوات التشافي والتحرر من فكرة "القدر البيولوجي".

كيمياء الدماغ: مرونة تتجاوز الوراثة

كيمياء الدماغ، وخاصة توازن الدوبامين والنوربينفرين، هي نتاج تفاعل مستمر بين موروثاتنا الجينية ومدخلاتنا اليومية. يعتقد الكثيرون أن نقص الدوبامين في حالات الـ ADHD هو عطل وراثي ثابت، ولكن الحقيقة أن "مستقبلات" الدوبامين تتأثر بشدة بالحالة الالتهابية للجسم وبصحة الأمعاء (محور الأمعاء - الدماغ).

عندما نعالج الالتهابات الصامتة ونقوم بترميم بطانة الأمعاء، فنحن نرسل إشارات إبيجينتكس إيجابية للدماغ تخبره بأن "الظروف آمنة"، مما يحسن من كفاءة التواصل العصبي. إن الدماغ يمتلك خاصية "المرونة العصبية"، وهو قادر على إعادة تشكيل مساراته إذا وفرنا له الأدوات اللازمة من غذاء مخصص ونمط حياة علمي. جودة الحياة ليست مرتبطة بما ورثته، بل بكيفية إدارتك لهذه المواريث من خلال الوعي والمعرفة بالجذور الحيوية لصحتك.

هل يمكن لنمط الحياة الصحي أن يمحو أثر الجينات المرتبطة بالـ ADHD تماماً؟

نمط الحياة لا "يمحو" الجينات، ولكنه يتحكم في "تفعيلها". يمكن للشخص الذي يمتلك استعداداً وراثياً للـ ADHD أن يعيش حياة هادئة ومنتجة ومركزة إذا وفر لجسمه الأدوات التي تدعم توازن كيمياء الدماغ وتمنع تفعيل المسارات الالتهابية. الهدف ليس التخلص من الجينات، بل تمكين الجسد من العمل بانسجام معها للوصول إلى أقصى طاقاته الإبداعية.

لماذا تظهر أعراض الـ ADHD لدى بعض الأطفال فجأة رغم أن جيناتهم موجودة منذ الولادة؟

هذا هو صميم علم الإبيجينتكس؛ فالأعراض غالباً ما تظهر عندما يتعرض الجسم لـ "ضغوط بيئية" تفوق قدرته على التوازن، مثل تغير مفاجئ في النظام الغذائي، التعرض لسموم بيئية، أو ضغوط نفسية حادة. هذه العوامل تعمل كـ "محفزات" تقوم بتفعيل الجينات التي كانت صامتة، مما يؤدي لظهور الأعراض. البحث في الجذور يساعدنا على معرفة هذه المحفزات وإزالتها ليعود الجسم لحالته الفطرية.

كيف يساهم طب النفس الغذائي في "تغيير" الرسائل الجينية المرسلة للدماغ؟

عن طريق توفير "المواد الخام" الذكية مثل أحماض أوميغا 3، الزنك، وفيتامينات B، والبروبيوتيك (Psychobiotics). هذه المواد لا تغذي الخلايا فحسب، بل تدخل في تفاعلات كيميائية حيوية تؤثر على كيفية "قراءة" الخلية للجينات. الغذاء هو رسالة كيميائية تخبر جيناتك كيف تتصرف، ومن خلال اختيار الغذاء بوعي، نحن نوجه الدماغ نحو الهدوء والتركيز بدلاً من التشتت والاندفاعية.

إن الوعي بأن الـ ADHD ليس قدراً محتوماً هو جوهر فلسفة التشافي التي نتبناها. أنت تمتلك القدرة على التأثير في بيولوجيتك وتغيير مسار صحتك النفسية والذهنية من خلال قراراتك اليومية. الأصل في الإنسان الصحة، والجينات هي مجرد البداية في رحلة اكتشاف الذات والتعافي. من خلال البحث في الجذور وتوفير الأدوات اللازمة للجسد، نفتح أبواباً للنمو والإبداع لم نكن نتخيل وجودها. المعرفة هي القوة التي تمكننا من استعادة سيادتنا على أجسادنا وعقولنا، وبناء نمط حياة علمي مخصص هو الضمان الحقيقي لجودة حياة عالية تتسم بالنقاء والوعي المستدام. التشافي رحلة تبدأ بفهم أنك لست سجين جيناتك، بل أنت سيد مصيرك الصحي من خلال كل خيار واعي تتخذه من الجذور.