- بواسطة الإدارة
- 31 مشاهدة
- الطب النفسي
- 11 Feb, 2026
السيروتونين: هرمون السعادة الذي يُصنع في أمعائك
في عالم الطب النفسي التقليدي، لطالما ارتبط اسم "السيروتونين" بالدماغ؛ فهو الناقل العصبي المسؤول عن تنظيم المزاج، وشعورنا بالرضا، وقدرتنا على النوم بهدوء. ولكن، من منظور الطب الوقائي ونمط الحياة، وفي قلب أبحاث طب النفس الغذائي التي تعمقت فيها خلال رحلتي العلمية في أستراليا، نجد حقيقة مذهلة تغير قواعد اللعبة تماماً: إن دماغك ليس المصنع الرئيسي لهذا الهرمون. الحقيقة هي أن ما يقرب من 90% إلى 95% من السيروتونين في جسدك يتم إنتاجه داخل أمعائك. بالنسبة لمصابي الـ ADHD، فإن فهم هذا الرابط بين "البطن والدماغ" هو المفتاح الذهبي للانتقال من حالة التذبذب العاطفي والاندفاعية إلى حالة من الاستقرار والهدوء النفسي.
الأمعاء: المصنع السري لهدوء الدماغ
تخيل أن أمعاءك تحتوي على جيش من الخلايا المتخصصة تُسمى "خلايا المعي أليفة الكروم"، وهي المسؤولة عن تحويل الأحماض الأمينية التي نتناولها إلى سيروتونين. هذا الإنتاج الضخم لا يخدم الهضم فحسب، بل هو "لغة كيميائية" يتحدث بها الجهاز الهضمي مع الجهاز العصبي المركزي عبر العصب الحائر. في حالة الـ ADHD، غالباً ما نلاحظ وجود "فرامل" ضعيفة في الدماغ؛ والسر قد يكمن في أن المصنع المعوي لا يرسل إمدادات كافية من السيروتونين ليقوم بدوره كمنظم للمزاج وكابح للاندفاعية.
بناءً على فلسفة الدكتور أحمد كمال في البحث عن الجذور، نحن لا نكتفي بالنظر إلى مستويات السيروتونين في الدماغ، بل نبحث في كفاءة المصنع نفسه. إذا كانت الأمعاء تعاني من التهابات مزمنة أو خلل في الميكروبيوم، فإن عملية تصنيع السيروتونين تتعطل، وبدلاً من إنتاج "هرمون السعادة"، قد يبدأ الجسم في إنتاج مواد كيميائية تسبب القلق والتوتر العصبي. الأصل في الإنسان الصحة، والبداية الحقيقية لتعديل كيمياء الدماغ تبدأ دائماً من إصلاح بيئة الأمعاء.
مسار التريبتوفان: لماذا يتحول الغذاء إلى قلق بدلاً من سعادة؟
لكي يصنع جسدك السيروتونين، هو بحاجة إلى مادة خام تُسمى "التريبتوفان"، وهي حمض أميني نحصل عليه من البروتينات. ولكن هنا تكمن المعضلة البيوكيمياءية التي نرصدها لدى الكثير من حالات الـ ADHD؛ فالتريبتوفان يشبه المسافر الذي يقف أمام طريقين:
طريق السعادة: حيث يتحول التريبتوفان إلى سيروتونين ثم ميلاتونين (للنوم والهدوء).
طريق الالتهاب (مسار الكينورينين): حيث يتحول التريبتوفان إلى سموم عصبية تسبب القلق وتلف الخلايا.
ما الذي يحدد أي طريق سيسلكه التريبتوفان؟ الإجابة هي الالتهاب. إذا كانت أمعاؤك ملتهبة بسبب السكريات أو الحساسيات الغذائية الخفية، فإن جسدك يسرق التريبتوفان ليصنع منه مواد دفاعية بدلاً من هرمونات السعادة. هذا يفسر لماذا يشعر مريض الـ ADHD بالضيق والتوتر حتى لو كان يتناول غذاءً غنياً بالبروتين؛ فالمشكلة ليست في "المواد الخام"، بل في "الخريطة الكيميائية" المشوهة داخل أمعائه.
السيروتونين والـ ADHD: العلاقة بين الهضم والاندفاعية
يلعب السيروتونين دور "المنظم" لكل شيء؛ من حركة الأمعاء إلى كبح الرغبات المفاجئة. نقص السيروتونين القادم من الأمعاء يؤدي إلى حالة من "الجوع العاطفي" والكيميائي، حيث يبحث الدماغ عن مكافآت سريعة (مثل السكريات أو الألعاب الإلكترونية) لتعويض هذا النقص. هذا التذبذب هو جوهر الاندفاعية وتشتت الانتباه.
من منظور الطب الوقائي، نحن نستخدم الغذاء والترميم المعوي كأداة لإعادة توجيه التريبتوفان نحو "طريق السعادة". عندما نوفر للجسم العوامل المساعدة مثل المغنيسيوم وفيتامين B6، ونصلح بطانة الأمعاء، فإننا نمنح الدماغ السكينة التي يحتاجها ليعمل بصفاء ونقاء ذهني بعيداً عن التشويش الكيميائي.
لماذا تزداد الرغبة في تناول الحلويات لدى من يعانون من نقص سيروتونين الأمعاء؟
السكر يرفع مستويات الأنسولين، مما يساعد التريبتوفان على دخول الدماغ بشكل أسرع لإنتاج سيروتونين "مؤقت". الدماغ يستخدم السكر كـ "حل طارئ" لرفع المزاج. بالنسبة لمصاب الـ ADHD، هذه الدورة تصبح إدمانية؛ لأن الرفع المؤقت يتبعه هبوط حاد يزيد من التشتت والاندفاعية. الحل ليس في منع السكر فقط، بل في إصلاح الأمعاء لتنتج سيروتونين مستداماً يغني الدماغ عن هذه الطلبات الطارئة.
كيف يؤثر توازن بكتيريا الأمعاء على مشاعر الرضا والتركيز؟
أنواع معينة من البكتيريا النافعة (Psychobiotics) تمتلك القدرة على تحفيز الأمعاء لإنتاج السيروتونين، بل إن بعضها ينتجه بنفسه. عندما يختل هذا التوازن، تفرز البكتيريا الضارة مواد تعطل تواصل العصب الحائر، مما يسبب شعوراً بـ "الضيق غير المبرر". إصلاح الميكروبيوم هو في الحقيقة عملية "إعادة برمجة" لمزاجك وقدرتك على التركيز من الجذور.
هل يمكن لمكملات السيروتونين الجاهزة أن تحل محل الإنتاج المعوي الطبيعي؟
مكملات السيروتونين لا تستطيع عبور "الحاجز الدموي الدماغي" بكفاءة، وقد تسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي إذا لم تُستخدم بوعي. النهج الصحيح في طب النفس الغذائي هو تمكين جسدك من إنتاج السيروتونين الخاص به عبر توفير المواد الخام (مثل 5-HTP بصورته الطبيعية) وتطهير الأمعاء من مسببات الالتهاب. نحن نهدف دائماً إلى "التشغيل الذاتي" وليس "الاعتماد الخارجي".
إن فهمك بأن السيروتونين يُصنع في أمعائك يغير بوصلة تعاملك مع الـ ADHD وصحتك النفسية بشكل كامل. أنت لست مضطراً للعيش في سجن من التقلبات المزاجية؛ فجسدك يمتلك المصنع والوقود، وكل ما يحتاجه هو "الإدارة الحيوية" الصحيحة. الأصل في الإنسان الصحة والنقاء الذهني، والوعي والمعرفة هما سلاحك الأول لاستعادة هذا الأصل. من خلال بناء نمط حياة علمي مخصص، نفتح الأبواب لتعافٍ حقيقي يبدأ من طعامك ويستقر في عقلك، ليمنحك جودة الحياة التي تليق بك كإنسان مُبْدِع ومتمكن من أدواته الطبيعية.