- بواسطة الإدارة
- 24 مشاهدة
- الطب النفسي
- 11 Feb, 2026
الـ ADHD عند البالغين: أعراض قد تتجاهلها لسنوات
لطالما ساد الاعتقاد بأن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) هو "اضطراب طفولة" يتلاشى مع التقدم في العمر، ولكن الواقع الطبي ومنظور الطب الوقائي الذي نتبناه يخبرنا بقصة مختلفة تماماً. الـ ADHD عند البالغين ليس مجرد حالة من "عدم التركيز"، بل هو نمط حياة عصبي وكيميائي معقد قد تعيش معه لسنوات وأنت تظن أنك مجرد شخص "فوضوي" أو "كسول" أو "قلق". من خلال تجربتي في طب النفس الغذائي في أستراليا، وجدنا أن العديد من البالغين يتم تشخيصهم بالقلق أو الاكتئاب المزمن، بينما الجذر الحقيقي لمشاكلهم يكمن في كيمياء دماغ لم تجد من يفهم لغتها الخاصة. فهم هذه الأعراض المتخفية هو الخطوة الأولى للانتقال من جلد الذات إلى التمكين واستعادة السيطرة على حياتك من الجذور.
فرط الحركة الذهني: عندما يسكن الجسد ويضطرب العقل
في الأطفال، يظهر فرط الحركة في صورة ركض وتسلق، أما عند البالغين، فإن الحركة "تستبطن"؛ أي أنها تنتقل من الأطراف إلى الداخل. العرض الأول الذي قد تتجاهله لسنوات هو "التململ الداخلي" أو الشعور بأن دماغك مثل محرك سيارة سباق يعمل بأقصى سرعته بينما السيارة متوقفة في الزحام. هذا الضجيج الذهني المستمر يجعل من الصعب عليك الاسترخاء أو الجلوس بهدوء دون القيام بشيء ما بيدك، أو الانخراط في أفكار متلاحقة لا تنتهي.
هذا الاضطراب الداخلي يترجم غالباً إلى "الاندفاعية الكلامية" أو مقاطعة الآخرين، ليس رغبة في الإساءة، بل لأن الدماغ لا يمتلك "الفرامل الكيميائية" الكافية لانتظار الدور. في فلسفة الدكتور أحمد كمال، نحن نرى أن هذا التململ هو صرخة من الجهاز العصبي الذي يفتقر للهدوء الكيميائي، حيث يكون الدوبامين في حالة تذبذب تجعل العقل يبحث باستمرار عن "مثير" جديد ليبقى مستيقظاً.
فخ الوظائف التنفيذية: التسويف ليس ضعفاً في الإرادة
العرض الأكثر تدميراً لجودة حياة البالغين هو الخلل في "الوظائف التنفيذية". هل تجد صعوبة هائلة في البدء بمهمة بسيطة حتى تصبح ملحة جداً؟ هل تعاني من "عمى الوقت" حيث يمر اليوم دون أن تنجز ما خططت له؟ بالنسبة للبالغ المصاب بالـ ADHD، فإن القشرة الجبهية (المدير التنفيذي للدماغ) تعاني من نقص في الوقود الحيوي اللازم لترتيب الأولويات.
هذا الخلل يجعل المهام اليومية مثل دفع الفواتير، تنظيم البريد، أو إنهاء التقارير تبدو كجبال شاهقة. الكثيرون يتهمون أنفسهم بالفشل أو قلة الطموح، ولكن من منظور طب النفس الغذائي، نحن نتعامل مع "مجاعة كيميائية" في مراكز القرار. الأصل في الإنسان الصحة والقدرة على الإنجاز، وعندما نوفر للدماغ المغذيات الدقيقة التي يحتاجها (مثل الزنك والمغنيسيوم وفيتامينات B)، يبدأ هذا "المدير التنفيذي" في استعادة قدرته على التنظيم، ويتحول التسويف المزمن إلى تدفق عملي منظم.
التقلبات المزاجية وحساسية الرفض: الجانب العاطفي المنسي
غالباً ما يتم تجاهل الجانب العاطفي في الـ ADHD عند البالغين، حيث يتم تشخيصه خطأً كاضطراب ثنائي القطب أو قلق عام. العرض الخفي هنا هو "عدم التنظيم العاطفي"؛ أي أن مشاعرك قوية جداً وتستجيب بسرعة البرق للمثيرات. قد تشعر بإحباط شديد من نقد بسيط، أو بما نسميه "حساسية الرفض" (Rejection Sensitivity)، حيث يبدو أي رفض اجتماعي وكأنه ألم جسدي حقيقي.
هذه الحساسية العالية ناتجة عن ضعف التواصل بين مراكز العاطفة والقشرة الجبهية. الدماغ لا يستطيع "فلترة" المشاعر بفعالية. في منهجنا، نركز على أن استقرار المزاج يبدأ من استقرار الأمعاء (محور الأمعاء - الدماغ)؛ فالالتهابات الصامتة في الجهاز الهضمي ترسل إشارات طوارئ للدماغ تزيد من حدة هذه التقلبات. الوعي بأن مشاعرك المتفجرة لها جذور كيميائية يمنحك الراحة النفسية اللازمة لبدء رحلة التشافي.
التركيز الفائق: العملة ذات الوجهين
من الأعراض التي قد تعتبرها "موهبة" وتتجاهل كونها جزءاً من الـ ADHD هي "التركيز الفائق" (Hyperfocus). قد تقضي ساعات طويلة غارقاً في مشروع أو هواية لدرجة تنسى معها الأكل أو الشرب أو النوم، ولكنك في المقابل لا تستطيع التركيز لـ 5 دقائق في مهمة "مملة" لكنها ضرورية. هذا التناقض هو علامة مسجلة للـ ADHD؛ فالدماغ لا يستطيع توزيع الانتباه بذكاء، بل يندفع نحو الأشياء التي تمنحه "دفقات" فورية من الدوبامين.
من منظور الطب الوقائي، هذا التركيز الفائق يستنزف الميتوكوندريا (مصانع الطاقة) في خلاياك العصبية، مما يؤدي إلى "انهيار" تام بعد انتهاء نوبة التركيز. نحن نسعى لتمكين البالغين من توزيع طاقتهم الذهنية بشكل متوازن من خلال نمط حياة علمي يحمي الدماغ من الإجهاد التأكسدي ويضمن له إمداداً مستقراً من الطاقة طوال اليوم، وليس فقط في لحظات الاندفاع.
هل يمكن أن يظهر الـ ADHD لأول مرة عند البالغين دون وجوده في الطفولة؟
علمياً، الـ ADHD هو اضطراب نمو عصبي يبدأ من الصغر، ولكن في كثير من الحالات (خاصة لدى الأذكياء أو من لديهم بيئة أسرية منظمة)، يتم "تغطية" الأعراض بآليات تعويضية. يظهر الاضطراب بوضوح في سن البلوغ عندما تزداد مسؤوليات الحياة (جامعة، عمل، أسرة) وتفشل هذه الآليات في مواجهة العبء الكيميائي المتزايد، مما يجعل الشخص يشعر وكأنه أصيب به فجأة، بينما الحقيقة أنه كان موجوداً بصمت بانتظار "المحفز" البيئي.
لماذا أشعر بالتعب المزمن رغم أنني "فرط حركة"؟
هذا ما نسميه "احتراق الـ ADHD". المجهود الجبار الذي يبذله دماغك فقط ليبقى مركزاً أو ليتصرف "بشكل طبيعي" يستهلك كميات هائلة من الطاقة الحيوية والمغذيات الدقيقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن السهر واضطراب الإيقاع السيركادي (الساعة البيولوجية) المرتبط بالـ ADHD يمنع الدماغ من الترميم الليلي، مما يؤدي لشعور دائم بالإرهاق الجسدي والذهني.
هل يساعد تغيير النظام الغذائي في تحسين أعراض البالغين بشكل ملحوظ؟
بشكل قطعي، نعم. الدماغ البالغ حساس جداً للالتهابات الناتجة عن السكر والزيوت المهدرجة والحساسيات الغذائية الخفية. في طب النفس الغذائي، نرى تحسناً كبيراً في الوظائف التنفيذية وهدوء الأعصاب بمجرد ترميم بطانة الأمعاء وتعويض نقص المعادن الأساسية. الغذاء هو الرسالة الكيميائية اليومية التي ترسلها لجيناتك، وبالتغذية الصحيحة، يمكنك تغيير التعبير الجيني لدماغك ليعمل بصفاء ونقاء.
إن الوعي بالأعراض الخفية للـ ADHD عند البالغين هو المفتاح الذهبي لجودة حياة مختلفة تماماً. أنت لست مقيداً بتشخيصك، بل أنت مُمكّن بالمعرفة التي تمنحك إياها فلسفة البحث عن الجذور. الأصل في الإنسان الصحة، والـ ADHD ليس عجزاً، بل هو "نظام تشغيل" مختلف يحتاج لبروتوكول خاص من الغذاء ونمط الحياة ليزدهر. من خلال فهم كيمياء دماغك وتزويدها بالأدوات الذكية التي تفتقر إليها، يمكنك تحويل هذا التشتت إلى إبداع، وهذا الاندفاع إلى طاقة حيوية خلاقة. التشافي رحلة تبدأ بالوعي، وتستمر ببناء نمط حياة علمي مخصص يحترم خصوصيتك البيولوجية ويقودك نحو أقصى طاقاتك الذهنية والنفسية.