• بواسطة الإدارة
  • 25 مشاهدة
  • العلاج النفسي
  • 11 Feb, 2026

الميكروبيوم وتأثيره المباشر على نواقل الانتباه العصبية

في الماضي، كان يُنظر إلى البكتيريا التي تسكن أمعائنا على أنها مجرد ركاب صامتين يساعدون في عملية الهضم. لكن الثورة العلمية في "طب النفس الغذائي" كشفت لنا عن واقع مغاير تماماً؛ فنحن نعيش في شراكة حيوية مع تريليونات الكائنات المجهرية التي نطلق عليها اسم "الميكروبيوم". هذه الكائنات ليست مجرد جيران، بل هي "مهندسو الكيمياء" الذين يحددون جودة أفكارنا، واستقرار مزاجنا، وقدرتنا على التركيز. بالنسبة للمصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، فإن الميكروبيوم ليس مجرد تفصيل جانبي، بل هو المصنع السري الذي يزود الدماغ بالوقود اللازم للتركيز، وأي خلل في هذا المصنع يترجم فوراً إلى تشتت واندفاعية.

كيف يصنع الميكروبيوم توازننا الذهني؟

العلاقة بين الميكروبيوم والانتباه ليست علاقة غير مباشرة، بل هي علاقة حيوية تبدأ من إنتاج النواقل العصبية. هل تعلم أن بعض سلالات البكتيريا النافعة في أمعائك هي المسؤولة عن تصنيع وتحفيز إنتاج كميات هائلة من النواقل العصبية التي يحتاجها مريض الـ ADHD؟

  • الدوبامين: الذي نعتبره المحرك الأساسي للتركيز والمكافأة، يعتمد إنتاجه بشكل كبير على توازن البكتيريا المعوية.

  • السيروتونين: المسؤول عن الهدوء النفسي وتنظيم الاندفاعات، يُصنع بنسبة تزيد عن 90% داخل الأمعاء تحت إشراف الميكروبيوم.

  • حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA): وهو الناقل الذي يعمل كمهدئ طبيعي للدماغ؛ حيث تقوم أنواع معينة من البكتيريا بتصنيعه لتقليل "الضجيج" العصبي وتوفير الهدوء اللازم للتركيز.

عندما يكون الميكروبيوم متوازناً، يحصل الدماغ على "دفقات" مستقرة من هذه المواد الكيميائية. أما في حالة اضطراب التوازن البكتيري (Dysbiosis)، فإن الدماغ يدخل في حالة من العوز الكيميائي، مما يضطر المصاب بالـ ADHD للبحث عن مثيرات خارجية قوية لتعويض هذا النقص الداخلي.

رؤية طب النفس الغذائي: الدروس المستفادة من التجربة الأسترالية

خلال رحلتي العلمية في أستراليا ولقائي بنخبة من خبراء طب النفس الغذائي، تأكدت لي حقيقة أننا لا نستطيع علاج العقل دون إصلاح "التربة" التي ينمو فيها، وهي الأمعاء. الميكروبيوم يتأثر بكل شيء: بنوع الغذاء، وبطريقة التفكير، وبجودة النوم. البكتيريا الضارة التي تتكاثر عند الإفراط في تناول السكريات والمواد المصنعة تنتج سموماً عصبية (Neurotoxins) قادرة على اختراق الحاجز الدموي الدماغي، مما يؤدي إلى زيادة حدة التشتت والنشاط الزائد.

في المقابل، فإن اتباع أسلوب حياة علمي يعتمد على "تغذية الميكروبيوم" بالألياف والدهون الصحية والمعادن النادرة، يعمل بمثابة إعادة ضبط للمصنع الكيميائي داخلنا. نحن لا نهدف فقط لتسكين الأعراض، بل نسعى لتمكين الجسم من استعادة قدرته الفطرية على شفاء نفسه من خلال تحويل الأمعاء من مصدر للالتهاب إلى مصدر للقوة والتركيز.

دور التنوع البكتيري في معالجة "الضجيج" الذهني

المصاب بالـ ADHD يعاني غالباً من "ضجيج" ذهني مستمر؛ أفكار متداخلة وصعوبة في اختيار المهمة الأهم. الميكروبيوم يلعب دوراً حاسماً في تقليل هذا الضجيج من خلال خفض مستويات الالتهاب العصبي. عندما يكون الميكروبيوم متنوعاً وقوياً، فإنه يحافظ على سلامة "العصب الحائر"، وهو الطريق السريع الذي يربط البطن بالدماغ. التواصل الصحي عبر هذا العصب يمنح الدماغ إشارات بالاستقرار، مما يسمح للقشرة الجبهية (المدير التنفيذي للدماغ) بالعمل بهدوء ودقة أكبر. إن تعزيز التنوع البكتيري هو بمثابة بناء جدار حماية للدماغ ضد المشتتات والاندفاعية.

هل يمكن أن يكون نوع البكتيريا في أمعائي هو السبب في زيادة الاندفاعية لديّ؟

نعم، هناك أنواع معينة من البكتيريا المرتبطة بالرغبة الشديدة في السكريات والنشويات؛ وعندما تتكاثر هذه البكتيريا، فإنها تفرز مواد تؤثر على مراكز القرار في الدماغ، مما يزيد من السلوك الاندفاعي والبحث عن المكافأة السريعة. بمجرد إعادة توازن الميكروبيوم وتقليل هذه السلالات، يلاحظ الكثيرون انخفاضاً تلقائياً في مستويات الاندفاعية وزيادة في القدرة على التحكم بالذات.

ما هو الفرق بين البروبيوتيك والغذاء المخصص للميكروبيوم في علاج الـ ADHD؟

البروبيوتيك هو مكمل يحتوي على بكتيريا حية، وهو مفيد في حالات معينة، ولكن "الغذاء المخصص" أو (البريبايوتيك) هو الوقود الذي يسمح لبكتيريا جسمك الأصلية بالنمو والازدهار. في منهج الدكتور أحمد كمال، نؤمن بأن الأجسام لا تتشابه؛ لذا نقوم بتصميم خطط غذائية تراعي احتياجات ميكروبيومك الخاص لضمان إنتاج مستدام للنواقل العصبية التي تمنحك النقاء الذهني.

هل تتحسن أعراض تشتت الانتباه بمجرد تغيير جودة البكتيريا المعوية؟

الأبحاث والواقع العملي يؤكدان أن تحسين بيئة الميكروبيوم يؤدي إلى تحسن ملحوظ في الوظائف التنفيذية للدماغ. يشعر الأفراد بصفاء ذهني أكبر، وقدرة أفضل على تنظيم الوقت، وهدوء في الجهاز العصبي. هذا التحسن ليس سحراً، بل هو نتيجة طبيعية لتوقف تدفق السموم الالتهابية من الأمعاء وبدء تدفق النواقل العصبية الداعمة للتركيز.

إن فهمنا للميكروبيوم كشريك في عملية الانتباه يغير بوصلة العلاج والتعامل مع الـ ADHD بشكل كامل. نحن لا نتعامل مع دماغ "معطل"، بل مع نظام حيوي متكامل يحتاج إلى الرعاية من الجذور. الأصل في الإنسان الصحة، والوعي بكيفية تغذية ميكروبيوم أمعائنا هو أولى خطوات التشافي الحقيقي. من خلال دمج العلم الحديث مع الممارسات الواقعية، يمكننا تمكين عقولنا من الوصول إلى أقصى طاقاتها، وتحقيق جودة حياة عالية تبدأ من الداخل؛ من تلك التريليونات من الكائنات التي تعمل بصمت لأجل وعينا وتركيزنا. الوعي والمعرفة هما سلاحك الأول، واختيارك لغذائك بوعي هو استثمارك الأكبر في صحة عقلك ونقاء ذهنك.