- بواسطة الإدارة
- 1138 مشاهدة
- العلاج النفسي
- 04 Oct, 2025
الولادات القيصرية وعلاقتها بحدوث التوحد
لا شك أنكم سمعتم عن موضوع الولادات القيصرية وعلاقتها بحدوث التوحد عند الأطفال، وأنها قد تكون عاملاً مساهمًا في ذلك. وقد سبق لي أن تحدثت عن هذا الأمر في إحدى حلقات البودكاست (رابط حلقة البودكاست في اليوتيوب)، وشرحت بشكل مختصر العلاقة المحتملة بين التوحد والولادة القيصرية.
ومن خلال هذا المقال، أود أن أوضح هذا الموضوع بشكل مفصل أكثر من منظور علمي، فكما تعلمون، تكمن مشكلة التوحد في التعقيد وتشابك العوامل المؤثرة فيه، مما يجعل ملاحظتها وربطها ببعضها أمرًا صعبًا على من لا يمتلك الوعي الصحي الكافي. وهذا أحد أهم أهداف هذه المنصة: نشر الوعي، وتفسير وترابط الأمور واتباع النهج الصحيح لتعديل نمط الحياة.
نظرًا لتعقيد هذا الاضطراب وكثرة العوامل التي قد تشترك في حدوثه، يصبح من الصعب للغاية تحديد سبب واحد بعينه. فأصعب ما يمكن إثباته علميًا هو "السببية"، ونادرًا ما يمكن تحديد عامل واحد على أنه السبب المباشر.
ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن الولادات القيصرية قد تكون أحد العوامل المؤثرة عند اجتماعها مع عوامل أخرى. ولتوضيح ذلك، دعونا نناقش آليات الولادة الطبيعية، ثم نقارنها بالولادة القيصرية.
تشير الأبحاث الحديثة (https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37327780/
) إلى أهمية تعرض الطفل للبكتيريا النافعة التي يحصل عليها من القنوات المهبلية أثناء الولادة الطبيعية، والتي تشكل اللبنة الأولى للمناعة والنمو العصبي، وتُكوّن سلالات بكتيرية فريدة لا يمكن الحصول عليها بسهولة فيما بعد.
كما أن الولادة الطبيعية تمنح الطفل ضغطًا صدريًا طبيعيًا يساعده على إخراج السوائل من الرئتين. وفور خروجه، يلامس جلد أمه ويحصل على دفئها وحنانها، ما يساهم في تنشيط الهرمونات—وخاصة الأوكسيتوسين—الذي يحفز الدماغ والمناعة وينظم التنفس والنوم. يلي ذلك الرضاعة الطبيعية، وهي اللبنة الثانية الأهم في دعم المناعة والنمو. قطرات الحليب الأولى تتميز بمحتواها الغني من البكتيريا النافعة والأحماض الأمينية والدهون والأجسام المضادة، والتي تتناقص تدريجيًا خلال الأيام الثلاثة الأولى.
في المقابل، تختلف الولادة القيصرية تمامًا. فقبل الجراحة، تتلقى الأم مضادات حيوية قد يصل جزء منها للطفل. وخلال العملية، لا يتعرض الطفل لقناة الولادة المهبلية (https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/38256127/
) وبالتالي لا يحصل على بكتيريا الأم الطبيعية. وقد يتعرض بدلًا من ذلك لأنواع غير طبيعية أثناء التنظيف. كما أن غياب الضغط الطبيعي على الصدر يزيد احتمالية بقاء سوائل في رئتيه.
وفي معظم الحالات، لا يستطيع الطفل الرضاعة مباشرة بسبب انشغال الأم بالجراحة، فيلجأ الطاقم الطبي إلى إعطائه حليبًا صناعيًا في الساعات الأولى لضبط السكر وإجراء الفحوصات.
كل هذه التفاصيل قد تكون عوامل مساعدة — خاصة عند اجتماعها مع الوراثة، استخدام الأدوية والمسكنات، التعرض للسموم، أو نمط حياة غير صحي أثناء الحمل.
حديثًا، ازداد الاهتمام بدراسة ميكروبيوم الأمعاء وتأثيره طويل المدى، خصوصًا لدى الأطفال الخدج، حيث تتداخل القيصرية والمضادات الحيوية والتغذية الصناعية في تشكيل ميكروبيوم يؤثر على النمو العصبي (https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/41011544/
).
وأود التنبيه هنا أنني أتحدث عن الولادات القيصرية الاختيارية وليس الحالات الطارئة. فالكثير من الأمهات اليوم يخترن القيصرية لتجنب الألم دون إدراك ما يحدث خلال العملية. فالأدوية، التخدير، مدة البقاء في المستشفى، الخياطة، النزيف، الالتصاقات، والجلطات المحتملة (https://www.thelancet.com/series-do/caesarean-section
) كلها مخاطر قد تؤثر على الأم قبل الطفل.
ختامًا
الولادة القيصرية ليست السبب المباشر للتوحد، لكنها قد تكون عاملًا مساهمًا ضمن العوامل العديدة التي تتداخل في هذا الاضطراب المعقد، نظرًا لتأثيرها على الوظائف الفسيولوجية الطبيعية للأم والطفل، والتي تُعد أساسًا للصحة الجسدية والعقلية.