• بواسطة الإدارة
  • 40 مشاهدة
  • الطب النفسي
  • 18 Jan, 2026

التوحد من الداخل: شرح مفهوم الإجهاد التأكسدي للخلايا

التوحد من الداخل: شرح مفهوم الإجهاد التأكسدي للخلايا

عندما نتحدث عن اضطراب طيف التوحد، غالباً ما يتجه التركيز نحو السلوكيات الظاهرة، مثل الصعوبات الاجتماعية أو التكرار النمطي. ولكن من منظور الطب الوقائي والبحث في الجذور الذي يتبناه الدكتور أحمد كمال، هناك عالم حيوي يحدث داخل الخلايا يسبق هذه السلوكيات ويحركها. أحد أهم هذه المفاهيم هو "الإجهاد التأكسدي"؛ وهو مصطلح قد يبدو معقداً، لكنه يمثل مفتاحاً أساسياً لفهم لماذا يعاني أطفال التوحد من حساسية مفرطة وتحديات نمائية. إن فهم الإجهاد التأكسدي يعني الانتقال من مجرد مراقبة السلوك إلى محاولة حماية الدماغ وتطهير بيئته الحيوية.

ما هو الإجهاد التأكسدي وكيف يؤثر على الخلايا العصبية؟

لتبسيط الأمر، تخيل أن خلايا الجسم هي مصانع صغيرة تعمل لإنتاج الطاقة، وخلال هذا العمل تخرج "نفايات" كيميائية تُسمى الشوارد الحرة (Free Radicals). في الحالة الطبيعية، يمتلك الجسم نظام دفاع قوي يُسمى "مضادات الأكسدة" يقوم بالتخلص من هذه النفايات أولاً بأول. الإجهاد التأكسدي يحدث عندما تتراكم هذه النفايات وتفوق قدرة الجسم على التخلص منها، مما يبدأ في "صدأ" الخلايا وتلف جدرانها.

في أدمغة أطفال التوحد، أظهرت الأبحاث الحيوية أن مستويات الإجهاد التأكسدي تكون مرتفعة بشكل ملحوظ. الخلايا العصبية هي الأكثر تأثراً بهذا الصدأ الكيميائي لأنها تستهلك كميات هائلة من الأكسجين. عندما تتعرض هذه الخلايا للإجهاد، يضعف التواصل بينها، ويصبح الدماغ في حالة "استنفار" دائم، وهو ما نراه واقعياً في شكل التحسس الحسي الزائد أو صعوبة معالجة المعلومات.

الجلوتاثيون: المدافع الأول المفقود

بناءً على ما تعلمته خلال رحلتي في أستراليا وتعمقي في الكيمياء الحيوية لمرضى التوحد، وجدنا أن هناك بطلاً غائباً في هذه القصة وهو بروتين "الجلوتاثيون". الجلوتاثيون هو أقوى مضاد أكسدة يصنعه الجسم، ومهمته الأساسية هي تنظيف الدماغ من السموم والمعادن الثقيلة.

المشكلة الحيوية لدى الكثير من أطفال التوحد هي وجود خلل في مسارات "المثيلة" (Methylation)، وهي العملية المسؤولة عن إنتاج الجلوتاثيون. عندما ينخفض هذا المنظف الطبيعي، يصبح الدماغ مكشوفاً أمام الملوثات البيئية والسموم الناتجة عن الغذاء، مما يفاقم حالة الالتهاب العصبي. نحن هنا لا نتعامل مع خلل جيني جامد، بل مع تحدٍ في التمثيل الغذائي يحتاج إلى دعم دقيق ومخصص لتعويض هذا النقص وإعادة التوازن للنظام الدفاعي للجسم.

البيئة المحيطة وأثرها على "صدأ" الخلايا

لا يعيش طفل التوحد في معزل عن بيئته؛ فالإجهاد التأكسدي يتأثر بشدة بالمحيط الخارجي. الملوثات في الهواء، المبيدات الحشرية في الغذاء، والمعادن الثقيلة، كلها تزيد من عبء الشوارد الحرة. الدكتور أحمد كمال يؤمن بأن الأصل في الإنسان الصحة، وأن الجسم يمتلك قدرة على التشافي إذا قللنا عنه هذا العبء.

من خلال تصميم خطط غذائية علاجية تركز على تقليل الأطعمة المحفزة للالتهاب (مثل السكريات والزيوت المهدرجة) وتوفير الأغذية الغنية بطلائع مضادات الأكسدة، يمكننا تقليل هذا "الصدأ" الخلوي. إن الهدف ليس تغيير طبيعة الطفل، بل هو تنقية البيئة التي يعمل فيها دماغه ليتمكن من إظهار قدراته الحقيقية الكامنة خلف جدار الإجهاد التأكسدي.

هل الإجهاد التأكسدي هو سبب التوحد؟

لا يمكن القول إنه "السبب الوحيد"، فالتوحد اضطراب معقد ومتعدد العوامل. ومع ذلك، يعتبر الإجهاد التأكسدي "عامل تفاقم" رئيسي. فبينما قد يولد الطفل باستعداد جيني، يأتي الإجهاد التأكسدي ليجعل الجهاز العصبي أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة التحديات النمائية والبيئية.

كيف يمكن معرفة مستوى الإجهاد التأكسدي لدى الطفل؟

هناك تحاليل مخبرية دقيقة تقيس مستويات الجلوتاثيون، ونسب المعادن الثقيلة، ونواتج تكسر الدهون والبروتينات في الجسم. هذه المؤشرات الحيوية تساعدنا في عيادة الطب الوقائي على فهم مدى العبء الكيميائي الذي يعاني منه الطفل وتصميم خطة تدخل تعتمد على العلم الواقعي وليس التخمين.

هل تساعد الفيتامينات في تقليل الإجهاد التأكسدي؟

نعم، ولكن يجب أن يتم ذلك بوعي ودقة. فيتامينات مثل (C, E) ومعادن مثل السيلينيوم والزنك تلعب دوراً حاسماً كمضادات أكسدة. ومع ذلك، الأجسام لا تتشابه؛ فما يحتاجه طفل قد لا يحتاجه آخر. التوازن هو السر، والتركيز يجب أن يكون على تحفيز الجسم لإنتاج مضادات الأكسدة الخاصة به من خلال تحسين الامتصاص وصحة الأمعاء.

إن فهمنا لما يحدث داخل خلايا طفل التوحد يغير نظرتنا تماماً للتعامل معه. نحن لا نسعى فقط لتعديل السلوك، بل نسعى لتوفير "الراحة الحيوية" للخلايا العصبية. الوعي والمعرفة هما أول طرق التشافي؛ فبمجرد أن نفهم لغة الجسد واحتياجاته من الجذور، نصبح قادرين على تمكينه من عيش حياة ذات جودة عالية ونقاء ذهني مستدام. التعافي يبدأ من الداخل، ومن خلال دعم كيمياء الخلايا، نفتح أبواباً جديدة للأمل والتطور لكل طفل.