• بواسطة الإدارة
  • 2 مشاهدة
  • العلاج النفسي
  • 13 Jan, 2026

الدوبامين والتركيز: لماذا يبحث مريض فرط الحركة عن الإثارة؟

غالباً ما يُساء فهم الشخص المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) ويُوصم بالاندفاعية أو التهور أو حتى "حب الدراما". يرى المحيطون به شخصاً يملّ سريعاً من المهام العادية، لكنه يمتلك تركيزاً فائقاً (Hyperfocus) عندما يتعلق الأمر بألعاب الفيديو، أو المخاطرة، أو التحديات الجديدة. من منظور الطب الوقائي ونمط الحياة، نحن لا نتعامل مع سمات شخصية عشوائية، بل مع "دماغ جائع" يبحث عن التوازن كيميائياً. إن ما يفسره البعض كبحث عن المشاكل أو الإثارة، هو في الحقيقة محاولة بيولوجية لا واعية من الدماغ لرفع مستويات الدوبامين لديه ليصل إلى الحد الأدنى من القدرة على العمل والتركيز.

الدوبامين: المحرك الذي يعمل بوقود ناقص

الدوبامين هو ناقل عصبي يلعب دور "نظام المكافأة" في الدماغ. وظيفته الأساسية هي إعطاؤنا الشعور بالرضا والتحفيز عند إنجاز مهمة ما، وهو المسؤول عن توجيه انتباهنا نحو ما هو مهم. في أدمغة المصابين بالـ ADHD، تكون "عتبة الاستثارة" مرتفعة جداً؛ وهذا يعني أن المهام اليومية البسيطة مثل ترتيب الغرفة أو كتابة تقرير روتيني لا تفرز كمية كافية من الدوبامين لتشغيل مراكز التركيز في الدماغ.

هذا "النقص الكيميائي" يضع المصاب في حالة من الملل المؤلم بيولوجياً. ولكي يخرج الدماغ من هذه الحالة، فإنه يضطر للبحث عن "صدمات" دوبامينية سريعة وقوية. الإثارة، المخاطرة، وحتى الجدال والمشاحنات، تعمل كلها كمحفزات طبيعية تضخ الدوبامين فجأة في العصبونات، مما يسمح للمصاب بالشعور بأنه "على قيد الحياة" أو قادر على التركيز في تلك اللحظة تحديداً.

لماذا تبدو المهام العادية مستحيلة والمخاطرة جذابة؟

تخيل أن دماغ الإنسان العادي يفرز كمية ثابتة ومستقرة من الدوبامين تسمح له بالاستمرار في عمل ممل لساعات. أما دماغ الـ ADHD، فيشبه محركاً يحتاج إلى شرارة قوية جداً ليبدأ في الدوران. هذه الشرارة لا تأتي من "الواجب" أو "المنطق"، بل تأتي من:

  1. عنصر الجدة (Novelty): أي شيء جديد يحفز الدوبامين، ولهذا يبرع المصابون بالـ ADHD في البدايات لكنهم يتعثرون في الاستمرار.

  2. الخطر والمخاطرة: المواقف الخطرة ترفع مستويات الأدرينالين والدوبامين معاً، مما يمنح المصاب صفاءً ذهنياً نادراً لا يجده في السكون.

  3. الضغط الزمني (Urgency): الموعد النهائي الوشيك (Deadline) يخلق حالة من الطوارئ الكيميائية التي تجبر الدماغ على التركيز.

من وجهة نظر الدكتور أحمد كمال، هذا البحث المستمر عن الإثارة ليس قدراً، بل هو عرض لعدم توازن الجذور. عندما سافر الدكتور أحمد إلى أستراليا والتقى بخبراء طب النفس الغذائي، تأكدت له حقيقة أننا نستطيع "تثبيت" مستويات الدوبامين من خلال مداخلات أعمق من مجرد تحفيز الدماغ خارجياً.

جذور المشكلة: هل نغذي نظام المكافأة بشكل صحيح؟

في عيادة الطب الوقائي، لا ننظر إلى الدوبامين كعنصر معزول، بل كمنتج نهائي لعملية حيوية معقدة تبدأ من الطبق الذي نأكله. لكي يصنع الدماغ الدوبامين، هو يحتاج إلى حمض أميني يُسمى "تيروسين"، ويحتاج إلى معادن وسيطة مثل الزنك والمغنيسيوم وفيتامين B6.

إذا كان الشخص يعاني من خلل في الامتصاص أو "أمعاء راشحة"، فإن هذه المواد الخام لن تصل إلى الدماغ بكفاءة. هنا، سيظل الدماغ في حالة "مجاعة كيميائية"، وستظل الرغبة في البحث عن الإثارة (سواء عبر السكريات أو السلوكيات المندفعة) هي الوسيلة الوحيدة للبقاء. نحن نؤمن بأن الأصل في الإنسان الصحة، وأن الجسم يمتلك قدرة فطرية على استعادة توازنه إذا وفرنا له الأدوات اللازمة من تغذية علاجية مخصصة ونمط حياة يدعم استقرار الجهاز العصبي.

لماذا ينجذب المصاب بالـ ADHD لتناول السكريات والوجبات السريعة بكثرة؟

السكريات والنشويات المكررة تسبب ارتفاعاً لحظياً وسريعاً جداً في مستوى الدوبامين في الدماغ، مما يمنح المصاب شعوراً مؤقتاً بالراحة والتركيز. لكن هذا الارتفاع يتبعه هبوط حاد (Crash)، مما يجعل الأعراض تزداد سوءاً بعد فترة وجيزة، ويدخل الشخص في دائرة مفرغة من البحث عن "السكر" لتعديل المزاج والتركيز.

هل يمكن لنمط الحياة أن يقلل من حاجة الدماغ للمثيرات العنيفة؟

بالتأكيد. من خلال ممارسة الرياضة عالية الكثافة (التي ترفع الدوبامين بشكل صحي)، وتنظيم فترات النوم (لترميم الناقلات العصبية)، واتباع حمية غذائية غنية بالبروتينات والمعادن النادرة، يمكننا رفع "المستوى القاعدي" للدوبامين. هذا يجعل الشخص يكتفي بالمثيرات العادية ولا يضطر للبحث عن الإثارة الخطرة أو الاندفاعية.

كيف يؤثر طب النفس الغذائي على تحسين التركيز؟

يعمل طب النفس الغذائي على تزويد الدماغ باللبنات الأساسية التي يحتاجها لبناء النواقل العصبية بشكل مستدام. بدلاً من الاعتماد على "المحفزات الخارجية" التي تنهك الجهاز العصبي، نقوم بإصلاح الجهاز الهضمي وتحسين الامتصاص لضمان تدفق طبيعي للمواد الكيميائية التي تمنح الهدوء والتركيز من الداخل وبناءً على احتياجات الجسم الفردية.

إن فهمنا للبحث عن الإثارة كحاجة بيولوجية يغير نظرتنا للمصاب بالـ ADHD تماماً. نحن لا نتعامل مع شخص "فوضوي"، بل مع دماغ ذكي يحاول موازنة نفسه بشتى الطرق. عندما نبدأ في معالجة المسببات الجذرية ونوفر للجسم الوقود الحيوي الصحيح، نجد أن تلك الاندفاعية تتحول إلى إبداع، وأن البحث عن الإثارة يتحول إلى شغف مستنير. الوعي والمعرفة هما أول طرق التشافي، وبناء نمط حياة علمي هو الضمان الحقيقي لجودة حياة مستقرة وناجحة.