• بواسطة الإدارة
  • 2 مشاهدة
  • الطب النفسي
  • 13 Jan, 2026

الفرق بين الدماغ التقليدي ودماغ الـ ADHD: رؤية طبية في العمق التشريحي والكيميائي

عندما نتحدث عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، فنحن لا نتحدث عن مجرد "اختلاف في الشخصية"، بل نتحدث عن تباين بيولوجي حقيقي في هيكلية ووظيفة الدماغ. الطب الحديث، ومن خلال تقنيات التصوير المتقدمة، أثبت أن دماغ المصاب بالـ ADHD يمتلك بصمة عصبية تميزه عن الدماغ التقليدي (Neurotypical). ومن منظور الدكتور أحمد كمال في الطب الوقائي، فإن فهم هذه الفوارق هو المفتاح لتمكين الأفراد من إدارة حياتهم بوعي، بعيداً عن الشعور بالذنب أو النقص، فالاختلاف في "الأسلاك" لا يعني وجود عطل، بل يعني الحاجة لكتيب تشغيل مختلف.

الاختلافات الهيكلية: هل هناك فرق في الحجم أو التطور؟

أظهرت الدراسات التي قارنت بين الدماغ التقليدي ودماغ الـ ADHD وجود فروق طفيفة ولكنها جوهرية في بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن التنظيم الذاتي. في الدماغ التقليدي، تنمو القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex) بمعدل ثابت يسمح بتطور المهارات التنفيذية في وقت مبكر من العمر. أما في دماغ الـ ADHD، فقد أثبتت الأبحاث أن نضج هذه المنطقة قد يتأخر لعدة سنوات مقارنة بالأقران.

هذا التأخر لا يعني نقصاً في الذكاء، بل يعني أن "فرامل" الدماغ والقدرة على كبح الاندفاعات تحتاج وقتاً أطول لتتطور. كما لُحظ أن هناك مناطق أخرى مثل "النوى القاعدية" (Basal Ganglia) والضمور الطفيف في حجم "المخيخ" (Cerebellum) لدى بعض المصابين، وهي مناطق مسؤولة عن تنسيق الحركات وتصفية الإشارات الواردة للدماغ. هذا يفسر لماذا يبدو الدماغ التقليدي أكثر قدرة على الجلوس بهدوء وتصفية المشتتات، بينما يبدو دماغ الـ ADHD وكأنه "مستقبل رادار" يلتقط كل ذبذبة في المحيط دون تمييز.

شبكات التواصل: التحدي في الربط بين المناطق

الفرق لا يقتصر فقط على الأحجام، بل يمتد لكيفية تواصل مناطق الدماغ مع بعضها البعض. في الدماغ التقليدي، هناك تناغم واضح بين شبكتين رئيسيتين:

  1. شبكة الوضع الافتراضي (DMN): التي تنشط أثناء أحلام اليقظة والتفكير في الذات.

  2. شبكة التركيز على المهام (TPN): التي تنشط عند البدء في عمل يتطلب تركيزاً.

في الدماغ التقليدي، عندما تبدأ في مهمة، تنطفئ شبكة "أحلام اليقظة" وتعمل شبكة "التركيز". أما في دماغ الـ ADHD، فهناك نوع من التداخل أو "الصراع" بين الشبكتين؛ حيث تفشل شبكة أحلام اليقظة في التوقف عن العمل حتى أثناء الانشغال بمهمة صعبة. هذا ما يفسر لماذا يجد المصاب نفسه فجأة يفكر في تفاصيل عشاء الأمس بينما هو في منتصف اجتماع عمل مهم، وهو فارق وظيفي بحت يتعلق بكيفية إدارة الدماغ للطاقة العصبية.

الكيمياء الحيوية من منظور الطب الوقائي والجذور

من خلال تعمق الدكتور أحمد كمال في طب النفس الغذائي في أستراليا، نجد أن الفرق الكيميائي بين الدماغين يتركز في "كفاءة استخدام النواقل". الدماغ التقليدي يمتلك نظاماً فعالاً لتدوير الدوبامين والنوربينفرين، مما يحافظ على مستوى مستقر من اليقظة. في المقابل، دماغ الـ ADHD يعاني مما يشبه "التسرب الكيميائي"؛ حيث يتم سحب الناقلات العصبية من الفراغات بين الخلايا بسرعة كبيرة قبل أن تتمكن من أداء وظيفتها.

هنا تبرز أهمية فلسفتنا في البحث عن الجذور؛ فالدماغ لا يمكنه بناء هذه الشبكات أو تصنيع تلك النواقل بكفاءة إذا كان هناك نقص في "الوقود الحيوي". الاختلاف البيولوجي في الدماغ يتطلب دعماً تغذوياً ونمط حياة مخصصاً لتقليل الفجوة بين الدماغين. إن تزويد الجسم بالمعادن اللازمة، وتصحيح مسارات الامتصاص، وتقليل الالتهابات، يساعد الدماغ "المختلف" على بناء مسارات عصبية تعويضية تمنحه القدرة على التركيز دون فقدان طابعه الإبداعي الفريد.

هل يعني وجود فروق تشريحية أن حالة الـ ADHD لا يمكن علاجها؟

وجود فروق تشريحية لا يعني الجمود؛ فالدماغ يمتلك خاصية "المرونة العصبية" (Neuroplasticity). من خلال التدخلات الصحيحة في نمط الحياة، والتغذية العلاجية المخصصة، والتدريب السلوكي، يمكن للدماغ أن يبني مسارات عصبية جديدة ويعزز من كفاءة التواصل بين المناطق المختلفة، مما يقلل من حدة الأعراض بشكل كبير.

ما هو الفرق الرئيسي في استهلاك الطاقة بين الدماغين؟

دماغ الـ ADHD غالباً ما يستهلك طاقة (جلوكوز) في المناطق المسؤولة عن التركيز بمعدل أقل من الدماغ التقليدي عند القيام بمهام مملة، ولكنه يستهلك طاقة هائلة عند القيام بمهام يحبها (حالة التركيز الفائق). هذا التذبذب في استهلاك الطاقة هو ما يسبب الشعور بالإرهاق الذهني الشديد الذي يختبره المصابون بالـ ADHD مقارنة بغيرهم.

كيف يفسر طب النفس الغذائي الفروق الوظيفية بين الدماغين؟

يرى طب النفس الغذائي أن الفروق الوظيفية تتأثر بشكل مباشر بحالة "الالتهاب العصبي". الدماغ التقليدي غالباً ما يمتلك حاجزاً دماغياً دموياً ونظاماً مناعياً مستقراً، بينما قد يكون دماغ الـ ADHD أكثر حساسية للشوائب الغذائية والسموم البيئية، مما يزيد من "الضجيج" العصبي ويجعل الفوارق التشريحية أكثر وضوحاً في السلوك.

إن إدراكنا للفروق الجوهرية بين الدماغ التقليدي ودماغ الـ ADHD هو دعوة لتغيير الطريقة التي نتعامل بها مع أنفسنا ومع أطفالنا. نحن لا نتحدث عن "دماغ تالف"، بل عن تنوع عصبي له نقاط قوة ونقاط ضعف. الأصل في الإنسان الصحة، والوعي بكيفية عمل هذا الدماغ المختلف هو أول خطوة لتوفير الأدوات والبيئة التغذوية والسلوكية التي تسمح له بالازدهار. إن الهدف ليس تحويل دماغ الـ ADHD إلى دماغ تقليدي، بل تمكينه من الوصول إلى أقصى إمكاناته بجودة حياة عالية ونقاء ذهني مستدام.