• بواسطة الإدارة
  • 2 مشاهدة
  • الطب النفسي
  • 13 Jan, 2026

الوظائف التنفيذية للدماغ وكيف تتأثر بفرط الحركة

غالباً ما يُوصف الشخص المصاب بالـ ADHD بأنه "فوضوي" أو "مشتت"، ولكن الحقيقة الطبية تذهب إلى أبعد من السلوك الظاهري. المشكلة تكمن في ما يُعرف بـ "الوظائف التنفيذية" للدماغ، وهي مجموعة من المهارات العقلية العليا التي تسمح لنا بإدارة أنفسنا وحياتنا اليومية. من منظور الطب الوقائي ونمط الحياة، نحن نعتبر هذه الوظائف هي "المايسترو" الذي يقود الأوركسترا العصبية؛ وعندما يحدث خلل في كيمياء هذا المايسترو، تصبح إدارة الوقت، والسيطرة على الانفعالات، والبدء في المهام تحديات يومية شاقة. فهم هذه الوظائف وكيفية تأثرها هو مفتاح الانتقال من مرحلة المعاناة إلى مرحلة "التمكين" والسيطرة.

ما هي الوظائف التنفيذية وكيف تعمل؟

تخيل أن دماغك يحتوي على "مدير تنفيذي" يجلس في منطقة القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex). هذا المدير مسؤول عن سبع مهارات أساسية نستخدمها جميعاً من لحظة الاستيقاظ حتى النوم:

  1. الذاكرة العاملة (Working Memory): وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات في الذهن أثناء العمل عليها (مثل تذكر التعليمات أثناء تنفيذ مهمة).

  2. التثبيط (Inhibition): القدرة على التوقف والتفكير قبل القيام بفعل ما، وهي "فرامل" الدماغ.

  3. التنظيم العاطفي: القدرة على إدارة المشاعر وعدم السماح للإحباط أو الغضب بتعطيل العمل.

  4. المرونة المعرفية: القدرة على تغيير الخطط عندما لا تسير الأمور كما هو متوقع.

  5. التخطيط وترتيب الأولويات: معرفة ما هو الأهم والبدء به.

  6. البدء في المهمة (Task Initiation): القدرة على تجاوز التسويف والبدء فعلياً في العمل.

  7. المراقبة الذاتية: القدرة على مراقبة أدائك وتصحيح مسارك أثناء العمل.

في دماغ المصاب بالـ ADHD، تكون هذه الوظائف متأثرة بسبب نقص الدوبامين والنوربينفرين في "غرفة التحكم" الجبهية. هذا يعني أن "المدير" لا يمتلك الوقود الكافي للقيام بعمله، مما يجعل الشخص يبدو وكأنه يتصرف دون تفكير، أو ينسى ما كان يفعله قبل ثوانٍ، أو يجد صعوبة هائلة في البدء بأبسط المهام.

أثر الـ ADHD على "فرامل" الدماغ والذاكرة العاملة

واحدة من أكثر الوظائف التنفيذية تأثراً هي "التثبيط". في الدماغ التقليدي، هناك فاصل زمني بسيط بين "المثير" و"الاستجابة" يسمح للشخص بتقييم الموقف. أما في دماغ الـ ADHD، فإن هذا الفاصل يكاد يكون منعدماً؛ فالاستجابة تسبق التفكير. هذا هو التفسير العلمي للاندفاعية؛ حيث يفشل الدماغ في استخدام "الفرامل" الكيميائية لإيقاف فكرة أو حركة قبل حدوثها.

أما الذاكرة العاملة، فهي تعمل في دماغ الـ ADHD كـ "مفكرة صغيرة جداً" تمتلئ وتفرغ بسرعة هائلة. الشخص لا ينسى لأنه لا يهتم، بل لأن ذاكرته العاملة لم تستطع الاحتفاظ بالمعلومة لفترة كافية لتحويلها إلى فعل. هذا النقص في "المساحة الذهنية" يفسر لماذا يشعر المصابون بالإرهاق الذهني السريع؛ فهم يبذلون مجهوداً مضاعفاً فقط لإبقاء فكرة واحدة في رؤوسهم.

منظور الدكتور أحمد كمال: تقوية "المدير التنفيذي" حيوياً

من خلال فلسفتي في الطب الوقائي وتجربتي في طب النفس الغذائي في أستراليا، نؤمن بأن كفاءة الوظائف التنفيذية ليست ثابتة، بل تتأثر بشدة بالحالة البيولوجية للجسم. لا يمكننا مطالبة "المدير التنفيذي" للدماغ بالعمل بكفاءة وهو يعاني من:

  • نقص المغذيات الدقيقة: الدماغ يحتاج إلى معادن معينة (مثل الزنك وفيتامينات B) كعوامل مساعدة لتشغيل الوظائف التنفيذية.

  • الالتهابات الصامتة: السموم البيئية أو الحساسيات الغذائية غير المكتشفة تؤدي لـ "ضباب دماغي" يعطل التواصل بين الخلايا العصبية.

  • خلل محور الأمعاء والدماغ: الأمعاء هي التي تمد الدماغ بالمواد الأولية لبناء الناقلات العصبية التي تغذي القشرة الجبهية.

التشافي الحقيقي يبدأ بتوفير "الأدوات" الحيوية لهذا المدير التنفيذي. الوعي والمعرفة هما الخطوة الأولى، ولكن دعم الجسم بأسلوب حياة علمي وتغذية مخصصة هو ما يحول المعرفة إلى واقع ملموس وجودة حياة عالية.

هل يمكن تحسين الوظائف التنفيذية بدون أدوية؟

نعم، هناك استراتيجيات بيولوجية وسلوكية فعالة جداً. بيولوجياً، يمكننا تحسين كيمياء الدماغ من خلال البروتينات عالية الجودة، أحماض أوميغا 3، وتعويض النواقص المعدنية. سلوكياً، يمكننا استخدام "أدوات خارجية" لتعويض ضعف الذاكرة العاملة مثل القوائم والمنبهات، وتقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء صغيرة جداً لتقليل الضغط على القشرة الجبهية.

لماذا يشعر مريض الـ ADHD بالإحباط السريع عند الفشل في مهمة بسيطة؟

هذا يعود لضعف وظيفة "التنظيم العاطفي". عندما يكون الدماغ مفتقراً للدوبامين، تصبح الاستجابة للمشاعر سريعة وعنيفة. "المدير التنفيذي" لا يستطيع تهدئة مراكز العاطفة في الدماغ بكفاءة، مما يجعل الإحباط يبدو أضخم بمرات مما هو عليه في الواقع.

كيف تؤثر الرياضة على الوظائف التنفيذية؟

الرياضة، وخاصة تلك التي تتطلب تناسقاً حركياً، تعمل بمثابة "دواء طبيعي" للوظائف التنفيذية. فهي ترفع مستويات الدوبامين والنوربينفرين فوراً، وتزيد من تدفق الدم إلى القشرة الجبهية، مما يمنح "المدير التنفيذي" طاقة مؤقتة للتركيز والتنظيم.

إن فهم الوظائف التنفيذية هو ما يخرجنا من دائرة لوم الذات إلى دائرة الحلول العملية. نحن لا نتعامل مع كسل، بل مع نظام إداري داخلي يحتاج إلى "صيانة حيوية" ودعم مستمر. الأصل في الإنسان الصحة، وعندما نفهم كيف يعمل دماغنا، ونوفر له الأدوات اللازمة من غذاء ونمط حياة، نصبح قادرين على تحويل تحديات الـ ADHD إلى نقاط قوة وإبداع. الوعي هو أول طرق التشافي، وبناء نمط حياة علمي هو الطريق الوحيد لتمكين عقولنا من الوصول إلى أقصى طاقاتها.